الغزالي
23
إحياء علوم الدين
وما كان بدر ولا حابس يسودان مرداس في مجمع وما كنت دون امرئ منهما ومن تضع اليوم لا يرفع فقال صلى الله عليه وسلم « اقطعوا عنّى لسانه » فذهب به أبو بكر الصديق رضي الله عنه حتى اختار مائة من الإبل ، ثم رجع وهو من أرضى الناس . فقال له صلى الله عليه وسلم « أتقول في الشّعر ؟ » فجعل يعتذر إليه ويقول ، بأبي أنت وأمي ، إني لأجد للشعر دبيبا على لساني كدبيب النمل ، ثم يقرصنى كما يقرص النمل ، فلا أجد بدا من قول الشعر . فتبسم صلى الله عليه وسلم وقال « لا تدع العرب الشّعر حتّى تدع الإبل الحنين » الآفة العاشرة المزاح وأصله مذموم منهي عنه ، إلا قدرا يسيرا يستثنى منه . قال صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « لا تمار أخاك ولا تمازحه » فإن قلت : المماراة فيها إيذاء ، لأن فيها تكذيبا للأخ والصديق ، أو تجهيلا له ، وأما المزاح فمطايبة ، وفيه انبساط وطيب قلب ، فلم ينهى عنه ؟ فاعلم . أن المنهي عنه الإفراط فيه ، أو المداومة عليه أما المداومة ، فلأنه اشتغال باللعب والهزل فيه ، واللعب مباح ، ولكن المواظبة عليه مذمومة وأما الإفراط فيه ، فإنه يورث كثرة الضحك ، وكثرة الضحك تميت القلب ، وتورث الضغينة في بعض الأحوال ، وتسقط المهابة والوقار . فما يخلو عن هذه الأمور فلا يذم ،